«التسعينيّة» لشيخ الإسلام ابن تيمية
( المحنةُ التي صارت كتابًا )
استُدعِيَ ليُحاكَم، فانقلبت محنتُه كتابًا يُحاكِم به أهلَ الكلام من نحو تسعين وجهًا، وبها سُمّي: «التسعينيّة».
في مصرَ، وابنُ تيمية في قبضة محنته، دُفِعت إليه ورقةٌ حملها رسولان من عند الأمراء والقضاة، تُطالبه بأن يكفّ لسانه وقلمه عن نصوص الصفات، وأن يعتقد ما يعتقده مخالفوه في الجهة والكلام، فما كان جوابه أن يكتب سطورًا يُهادن بها ويخرج، بل قلب الورقةَ محضرَ محاكمةٍ عكسيّة، ردّ فيها على أهل الكلام من نحو تسعين وجهًا، فسُمّي الكتاب بعدد أوجهه، وهو واحدٌ من نفائس شيخ الإسلام التي وُلدت في أشدّ لحظات الضيق، وحملت من دقائق مسائل الكلام والصفات ما لا تجده مجموعًا في غيره.
▪︎ التعريف بالكتاب واسمه
«التسعينيّة» رسالةٌ كلاميّةٌ محرّرة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني الدمشقي (٦٦١ - ٧٢٨هـ)، موضوعها الأكبر الردّ على الأشاعرة والكلّابيّة في مسألة «الكلام النفسيّ»، وهي المقالة القاضية بأن كلام الله معنًى واحد قائم بذاته، لا يتعلّق بمشيئته، وليس بحرفٍ ولا صوت.
سُمّي «التسعينيّة» لأنه ردّ على أهل الكلام في صفة الكلام لله من نحو تسعين وجهًا.
ويُعرف أيضًا باسم «المحنة المصريّة»، وهو من مؤلّفات ابن تيمية المطبوعة خارج «مجموع الفتاوى» الذي جمعه ابن قاسم.
▪︎ مناسبة التأليف وزمنه
كتبها ابن تيمية في محنته المصريّة، وهي المحنة التي أعقبت «العقيدة الواسطيّة»، إذ رجع إلى مصر سنة ٧٠٥هـ، وسُجن بالقاهرة نحو ثمانية عشر شهرًا إلى سنة ٧٠٧هـ بسبب مسائل العرش والكلام والنزول، وفي أتون تلك المناقشة كتب هذه الرسالة، وسطّر في مقدّمتها فصولًا يبيّن فيها ما جرى، وأنه إنما كتب ما يتعلّق بالمحنة نُصحًا للمسلمين وكشفًا لما فيها من تبديل، وقد حدّد بعض الباحثين - كصاحب «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» - سنة تأليفها بـ٧٠٦هـ، وهي واقعةٌ في قلب تلك المدّة.
- جاء الرسولان بورقةٍ من الأمراء والقضاة.
- فأجاب الشيخ عنها إجابةً مختصرة أوّلًا.
- ثم أتبعها بالإجابة المفصّلة «من وجوهٍ كثيرة»، وهي مدار الكتاب.
▪︎ منهج ابن تيمية ومضمون الكتاب
انتظم جوابُ الشيخ على ثلاثة مطالبَ طُلبت منه في الورقة، ردّ على كلٍّ منها بجملةٍ من الأوجه، فاجتمع منها ما قارب التسعين:
- المطلب الأول: أن يكفّ عن أحاديث الصفات وآياتها عند العوامّ، وألّا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى، فردّ بأن ذلك نبذٌ لكتاب الله وتركٌ لما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله، وأنه يتضمّن إبطال أعظم أصول الدين.
- المطلب الثاني: أن يعتقد نفي الجهة والتحيّز عن الله، فبيّن ما في اللفظ من إجمالٍ وتلبيس، وأن هذا التنزيه المزعوم تعطيلٌ في ثوب تقديس.
- المطلب الثالث: ألّا يقول إن كلام الله حرفٌ وصوت، وهذا لبّ مسألة «الكلام النفسيّ»، فأفرد له فصلًا طويلًا في نقض قول نُفاة الحرف والصوت.
ولم يكن ردُّه على أهل زمانه فحسب، بل لاحق أئمّة الكلام في أصولهم، فأفرد لمناقشة الرازيّ بابًا من وجوه، وتعقّب أبا المعالي الجوينيّ وابنَ فُورَك في زعمهم أن كلام الله معنًى واحد، وردّه بأن القرآن قد نطق بأن لله كلماتٍ لا كلمةً واحدة، وكشف أن أصل مقالتهم مأخوذٌ عن ابن كُلّاب والقلانسيّ، وأن هؤلاء تلقّوا أصل الكلام عن المعتزلة ثم خالفوهم في بعضٍ دون بعض، فردّهم إلى منبعٍ واحد، يهدم الأصل قبل أن يناقش الفرع، ويردّ الحُجّة بأختها من صريح العقل وصحيح النقل.
▪︎ أبرز فصول الكتاب ومسائله
مدارُه على جواب المطالب الثلاثة بأوجهٍ مرقّمة متتابعة تقارب التسعين، يتخلّلها فصلان: أحدهما في أن ما حُفظ عن الصحابة حجّة، والآخر في نقض قولهم إن كلام الله ليس بحرفٍ وصوت، ويُختم بمناقشة كلام الرازيّ من وجوه. ومن دقائق مسائله: فتنة القول بخلق القرآن وأصلها، ومسألة كلام الله بوصفها أصل النزاع، وتواتر أحاديث الصفات، ومسألة الحُسن والقُبح العقليّ، والمتشابه في الأخبار والآيات.
▪︎ مميّزات الكتاب
- مادّةٌ فريدة: من رسائل ابن تيمية التي ذكر فيها مسائل مهمّة قد لا توجد في كتبه الأخرى، فهو مظنّةٌ لتحريراتٍ لا تجدها إلا فيه.
- عقيدةٌ في أتون المحنة: جمع بين التحرير العلميّ البارد وصلابة الموقف الحارّ، إذ كُتب والشيخ محاصَرٌ بالخصوم لا مترفًا في مجلس درس.
- إنصافُه في موضعه: عدّ الأشاعرة من أهل السنة في مقابلة المعتزلة والرافضة، وفضّل أقوالهم على أقوال المعتزلة والجهميّة والفلاسفة، وهي نقطةٌ يُساء فهمها، فإنصافه لهم في جهةٍ لا يعني موافقته في أصل النزاع.
- منهج هدم الأصل: لا يكتفي بردّ الفرع بل ينقض القاعدة التي بُني عليها، فيسقط ما تحتها جملةً.
▪︎ ملاحظات على الكتاب
- «التسعون» أوجهٌ مرقّمة متتابعة في صلب الكتاب، لا عددٌ اصطلاحيّ مجرّد، غير أن بعضها مبسوطٌ وبعضها موجز، ولذلك قد يتفاوت العادّون في ضبط منتهاها.
- نسبةُ الردّ إلى الباقلانيّ في «الإنصاف» بعينه إنما هي ظنٌّ ذكره بعض الشُّرّاح كالشيخ عبد الرحيم السلمي في دروسه والأشبه أنه ردٌّ على أهل الكلام عامّةً، وإن كان للرازيّ فيه بابٌ مفرد.
- تحديد سنة التأليف تابعٌ لتحديد سِنِي محنته المصريّة، فمن ضبط المحنة ضبط زمن الكتاب.
▪︎ مخطوطاته وطبعاته
له نسختان خطّيّتان: إحداهما برئاسة الإفتاء بالرياض (رقم ٨٠٣)، والأخرى بدار الكتب المصريّة ضمن «عقائد تيمور» (رقم ٢٨٩) مكتوبة سنة ١٢٢٣هـ. وقد طُبع أوّلًا ضمن «الفتاوى الكبرى» بمطبعة كردستان بمصر، ثم حقّقه الشيخ محمد بن إبراهيم العجلان رسالةَ دكتوراه سنة ١٤٠٨هـ، وطُبع بتحقيقه في مكتبة المعارف بالرياض سنة ١٤٢٠هـ في ثلاث مجلدات، وهي أوّل تحقيقٍ علميٍّ للكتاب وعليها المعوَّل في العزو.
▪︎ خلاصة القول في الكتاب
«التسعينيّة» ليست رسالةً كُتبت في رخاءٍ ولا مجلسِ تدريس، بل نصٌّ خرج من قلب المحنة، جمع فيه ابن تيمية بين برودة المحقّق وصلابة المُبتلى، فحوّل ورقةَ خصومه إلى ميدانٍ هدم فيه مقالة «الكلام النفسيّ» من أصلها، وردّها إلى منبعها الاعتزاليّ، وناقش أئمّة الأشاعرة في صميم أصولهم. ومن أراد أن يرى كيف يُبنى الردّ العَقَديّ على العلم لا على الحماسة، وكيف تُلاحَق الشبهة إلى جذرها لا إلى ظاهرها، فهذا الكتاب مظنّتُه، ولذلك بقي بعد سبعة قرون مرجعًا في بابه لا يُستغنى عنه.
جمع وهذّب: فيصل العلي، غفر الله له